![]() |
|
Spaces home My Journey ... سبورة على...PhotosProfileFriendsMore ![]() | ![]() |
My Journey ... سبورة على جدار الغربــةSeptember 02 ابن أخــي ..ابن أخي ، خرج إلى العالم بالأمس ، يلاكم الهواء ، مغمض العينين . سيحتاج مخه الصغير إلى سبع سنين ،ليفهمني حينما أخبره ،إذا أمد الله في أعمارنا ،متى ، وأين ، سمعت بخبر ولادته . وسيحتاج إلى عشرين سنة ، لكي يصبح قلبه الضئيل الآن كبيرا بما يكفي ليشعر بما شعرت به . صنع لي قرابة جديدة ، ونحلني لقباً لم أسمع أحدا يطلقه علي من قبل سوى تلطفاً . أصبحت عمـّـاً . وأصبح أخي أبـاً . هكذا في اللحظة التي تعقب الخروج من بوابة المستشفى ، وتسبق ركوب السيارة ، تتغير الأشياء . هكذا دون أن أنتظر ولادة وشيكة ، ودون أن أقل ّ أحدا إلى المستشفى ، ودون أن أسلي انتظار أحد ، ودون أن أختبر ما يتوجب علي ّ فعله إذا كنت هناك . أرجح أن القادم الصغير ، أطلق صرخته الأولى في الهواء ، وأتبعها بقبضتيه ، وشهق قلب أخي ، وخرج ليحادث أمي ، وقفز قلبها فرحاً لمقدم حفيدها الأول ، وتناثر دمع قليل الملح هنا وهناك ، وأنا استمع بإنصات ، تعابير وجهي لا توحي بشيء ، قبل أن أخرج من المستشفى ، وتبدأ "شرطات" الحياة دبيبها واحدة واحدة ،في قفر هاتفي ، فينهال السرور كشلال ٍ كان ينتظر على سد في جغرافية ما ، مابين الرياض ، وبين أتاوا . آه يا أخي ، تركتك في الرياض أخا ، وسأعود إليها لأجدك أبا ، تحمل في حضنك ابنك الصغير . أخبرك كم يشبهك ، وتعيرني إياه لأحمله ، لا يلقي لنا بالا ،يبتسم لنفسه ، ونظن أنه يبتسم لنا . شعور لا أستطيع وصفه ، ذلك الذي شعرت به وأنا أرى صوره هنا على الشاشة ، ذلك المخلوق الصغير ،النائم في "زهمولته" يثير فيّ مشاعرا غريبه . ثمة ذبذبات خفيفة ، في رأسي ، تصنع دوخة لذيذة ، وأخمن أنها تحدث لأنني أحفر حجرة جديدة في ذاكرتي ، جديدة تماما ، لم تكن موجودة من قبل سوى كفكرة ، وأصبحت شخصا ، برئتين ، يضع في الحجرة مايشاء ، وليس لي إلا أن أتفرج عليه يعبيء ذاكرتي . أسبوعان يفصلاني عن ضم أصابعه الصغيرة حول سبابتي الكبيرة ، عن حمل جسده اللين الضئيل ، عن سماع بكائه الذي سيختلف كثيرا عن صوت أي بكاء مشابه ينغض علي نومي في طائرة العودة . عن التفرس في ملامح وجهه بعد أن رأيته صورته كصديقٍ افتراضي . عن تقبيل ذلك الذي صنع لي شوقا جديدا ، لم أختبر يوما كيف أودعه ، ولكنني أعود مشتاقا لرؤيته . ذلك المخلوق الصغير ، الذي لا يعرفني ، ولا أعرف كم ستختلف بالنسبة له قبلتي عن ذبابة تحط على خده .كل ما أعرفه أنني أريد أن أضع قبلة على خده أكثر من أي ذبابة في العالم ! سأحتاج إلى أسبوعين حتى أصل إلى هناك ،طيرانا !
متعب أتاوا-أغسطس 2008
July 24 ثرثــــــــرة ... بحق ...![]() ليلة صيفية هادئة . على قارعة طريق يصخب أحيانا ، وتلبسه السكينة أحيانا أخرى . فوق مقعد جلدي ، كنت أقرأ كتابا بلغة لا يفهمها أحد من حولي ، وانتهيت من قرائته ، لأكتب بلغة لا يفهمها أحد أيضا .
عدت من المستشفى متأخرا اليوم . الخطط التي كانت تمارس الإبحار في عقلي في طريق عودتي ، تهدمت على شاطيء كنبة سوداء شعرت بأنها تشبه خشبة على جزيرة نائية . نهضت من النوم ، في جزيرة شقتي الخاوية ، بعد أن طارت عصافير النهار ، أفكر فيما يمكن أن أفعله . حتى لا أتأخر على دوام الغد . خرجت لرغبة ملحة تريد أن تدعي أن قد كان هناك يوما ، عدت في آخره لأرتب سيارتي بين خطوط المرآب الصفراء ، وأصعد إلى سريري وأنام . ليلة صيفية ، في منتصف الأسبوع ، حيث تهدأ الشوارع الصاخبة ، إلا من صخب من لا يحتاجون إلى النهوض مبكرا في الغد . شنطتي الجلدية كانت تصحبني في السيارة ، تضم كتابا ، وقلما ، ودفترا ، وهذا الذي أكتب عليه . شنطتي تقابلني على الكرسي المقابل ، صامتة , تتركني أفكر ، وأقرأ ، وأكتب . لا يحرجنا صمتنا ، لا أنتظر منها حديثا ، ولا تنتظر مني أن أكسر حاجز الصمت بشيء . عقلي ممتليء ، ممتليء عن آخره . أتمنى أن أنفضه ، (أو أن تهب ريح ) حتى يذهب الزيد جفاءا ويمكث ما ينفع الناس في الأرض . أفتح في كل يوم نافذة جديدة ، على فكرٍ جديد ، وكتاب ٍ جديد ، واهتمام ٍ جديد . تعذبني الحيرة . لا أجد شيئا يصف حالتي بدقة أكثر . الحيرة . أنا الذي أحتار في كل شيء . في سعي إلى الكمال لا يعرف الكلل ! هل كانت هذه عبارة دعائية لتويوتا ! كم أود لو ألتقي السيدة تويوتا لأسألها كي استطاعت أن تعيش بمثل هذا . توقفت عن سماع هذه العبارة منذ زمن ! .. ربما لم تستطع أن تعيش بمثل هذا . قررت قبل زمن ليس بالطويل ، أن لا أقبل المساومة في مايخص عملي ، أذهب كل يوم في الصباح ، أهتم بالمرضى ، لا أقصر في شيء هناك ، أقرأ ما ينبغي لي أن أقرأه . أزرع ذلك الجانب كصخرة أكثر من نصفها في الأرض ، أترك الأشياء من حولها مبعثرة حتى أجد ما يستحق تثبيته من الصخور . الصخور الأخرى كثيرة ، لا تنتهي . منها ما يثبت نفسه ، بنفسه . وأحاول أن أنزعه ، ومنها ما أحاول تثبيته ، وينخلع مع كل نسمة ريح. أحب أحيانا أن أفكر في هذه الصخور كلوحة ، جمالها في عدم تناغمها ، كلوحة تشكيلية مبهمة ، مبعثرة ، لكنها جميلة . لم أحاول الكتابة منذ زمن ، كان وقتي ضيقا جيدا ،أو هكذا كنت أحس ، يتوزع بين العمل ، والمناوبة ، والنوم ، والأصدقاء . في هذه الفترة ، حينما أجد فسحة للتفكير ، في السيارة ، أو على السرير حينما اصطف في طابورللحصول على خبز النوم مع أناسٍ لا أراهم ، كنت أتخيل الكتابة ، وبالتحديد الكتابة الذاتية التي أمارسها ، ترفا يليق بفتاة مراهقة ، أو بشاب منعم . أحس بأن القسم الذي أعمل به الآن يعيد تربيتي من جديد. يخبرني كم هي الحياة قاسية ، وكيف يموت الناس، وكيف يصير عملك دفعا لهم في اتجاه الحياة أو الموت . كيف أجد من الوقت ما يكفي لأكتب عن نومي الذي لا يأتي ، وعن قمصاني المهترئة ، وعن سلسلة الأحداث الصغيرة التي تعقب انسكاب البيبسي على السجادة ..
في يوم آخر ، كنت أشعر بحاجة للثرثرة ، أشعر وكأن تركيزي ، يشبه شخبطات طفلٍ بألوان شمعية على صفحة بيضاء . أعود إلى الوراء خطوتين . أقرر أن أخرج إلى النهر ، فأغسل عينيّ بمياهه . وأختزل الألوان في الأخضر ، ولون الماء ، والصخور الرمادية ، والقوارب البيضاء . أين يمكن لي أن أجد عاملا مأجورا ، يشذب الشجيرات العصبية في عقلي ، لا أرغب في اقتلاع كل شيء ، ولكنني بالتأكيد سأكون ممتنا لو استطعت قطع الزوائد لكي تتوقف عن سحب الأوكسجين من عروقي . وحتى لا أصطدم بها مرة أخرى ، ولكي أتمكن من توفير الغذاء والرعاية للأغصان التي تنمو رأسيا . أستلقي كخشبة على حدود النهر ، أغمض عيني ، وأفكر . فاكهة أفكاري كثيرة ، أفكر فيما أختار منها ، لأخلطها بعقلي ، وأتذوقها بلساني وأحاول أن أصف ما أتذوق . أشك أحيانا فيما إذا كانت كثيرة فعلا ، أم أنها غير مرتبة بالقدر الذي يجعلها تملؤ المكان . انثناءات الزوايا العليا في صفحات الكتب المبعثرة ، الأوراق التي تملؤ الملفات والأدراج والحقائب ، الدفاتر التي سال عليها حبر كثير ، مرتب أحيانا ، ومبعثر أحيانا أكثر ،الرسائل التي لاتتعب من انتظاري ، جهاز التحكم في التلفاز ، قائمة البرامج المسجلة ، صندوق مصباح الطاولة الذي لم أركبه بعد ، صناديق الأشياء الصغيرة ، أقلام الخط ، عبوات الحبر ، حقائب السفر النصف فارغة ، أكوام الملابس على الشماعة ، وتلك التي تزدحم في الدولاب . البطانية التي لا أعرف كيف أغسلها . صوت ماهر العقيلي وهو يقرؤ القرآن ، فيروز ، و مقطوعات الإخوة الجبرانيين الثلاثة ، ساينفلد ، والواقفون الذين يمدون أياديهم إلى رئتيك كي تضحك . صندوق البريد الإلكتروني الذي يغص بالرسائل التي نويت الإجابة عنها ونسيت ، ونويت الرجوع إليها وأبطأت . وسائط التخزين التي تغص بالصور ،والذكريات الحميمة ، قصاصات الجرائد التي بها بعض مني ، ولا أدري أين وضعتها ، الأوراق المهمة التي تتوزع في المكان كالأقلام الرخيصة . علب القهوة ، كتب الطبخ . الأواني التي لم تغسل بعد . نصف الصديق الذي رأيته بجوار نصف صديق آخر ، على رصيف ما في طريقي إلى قهوة وكتاب ، على كرسي حانة يشرب ، ورآني ولم يسلم خجلا . العزاب الآخرون من وطني ، الذين كنت استخدمهم دليلا على أنني يمكن لي أن أعيش بلا زوجة ، و يسقط كل يوم واحد منهم كأوراق الخريف . أكوام الأيدي المتشابكة في الطرقات ، السيارات الفارهة ، والمشردون على الأرصفة ، وعربات المعوقين بلا أيدي وبلا أرجل وبابتسامات كثيرة . وطني الكبير ، الذي يعاملني كمحيط ، وأعامله كخشبة طافية . يختار لي أن أصعد أو أن أهوي كما يشتهي . أشياء كثيرة ، كل واحد منها يقود إلى أشياء أكثر ، أفلسف كل شي ء ، وأسرح كثيرا ولا يبدو أنني أستطيع أن أصل إلى شيء ، لا أدري كيف يمكن لي أن أوفق بين ما يدخل إلى عقلي وما يخرج منه ، أنا الذي أذهب إلى عملي صامتا - وأكتشف أنني لم أتحدث منذ الأمس حينما يخرج صوتي في الاجتماع الصباحي نائما لم تمرنه ولا حتى كلمة واحدة منذ الأمس - وأعود من عملي صامتا ، وأشاهد التلفاز صامتا ، وأركض صامتا ، وأسبح صامتا ، وأبتسم مع التلفاز صامتا ، وأحلق بعيني من النافذة صامتا . وأرسم صامتا ، وأكتب صامتا . أرسم الألوان ، المتشابكة ، على لوحات عمودية ، تصنع شرائحا في عقلي. أرسمها مبتسما أحيانا ، وسعيدا بعبقرية الفكرة التي خطرت لي . إلا أنها بعد أن تجمعت ، وتشابكت ، لم يعد يمكن لي أن أميز شيئا مما رسمت . أفتح عيني على آخرها ، إلى قلب النهر ، أغسل كل شيء . كل شيء . وأستلقي . أعصر الدماء التي تحمل الأكسجين من عقلي إلى رئتي . وأتخيل أنني بذلك أمنعها من أن تصل إلى الفروع الدقيقة ، البعيدة في شجيرات عقلي ، والشرائح المتشعبة . فتموت . أنهض من فوق الحشائش الخضراء على حافة النهر ، أجدها قد تلطخت بألوان كثيرة ،أندهش لثانية ، أمتطي دراجتي مسرعا ً ، وأهرب .
أتاوا - يوليو 2008
May 31 شيطان حزني الصغــيرشيطان حزني الصغير . ذلك المارق الفاسق . قصته أطول من أرويها . ما انفك يمارس دهاءه الذي مكنته منه ، حتى تجبر وطغى ، ككل قصص الحب ذات النهايات الفاجعة ، والأفواه التي تعض أيادي المحسنين .، والسواعد التي تشتد لترمي معلميها ، واللئام الذين يزيدهم الإكرام لؤما . كنت صبيا سعيدا ، أقضم فطيرتي في ساحة المدرسة ، مع جمع من الأصدقاء ، نضحك أكثر مما نأكل . ونركض أكثر مما نشبع . لا أذكر متى بالتحديد ، نبت شارب في حديقة وجهي الجديدة ، وأسدلت مسارح الوجوه المألوفة ستائرها السوداء . وابتدأت أشعر بأن أصدقائي يصغرون ، قبل أن أدرك بأنني أكبر أكثر مما يجب . في مربع عائلتي الصغيرة ، أمي كانت هناك ،تركع علي لتصنع مني رجلاً ، وكان أخي بجانبي يسحبني معه إلى الأعلى ، وتنحى أبي حتى لا يحدني شيء من أن أنمو رأسيا . كانت الحياة أسهل مما ينبغي ، في مدرستي الصغيرة . المدرسون كلهم يغرقون علي عبارات الثناء والمدح طوال الوقت . الأسئلة التي لا يجيبها أحد تتوجه إلى كهدية ٍ مغلفة بابتسامة الإعجاب والنصر . مسائل الرياضيات التي يتحدانا المدرس في حلها بأقل من خمسة دقائق ، أحلها في دقيقة ، وأهييء كتفي لكل ما يمكن لغرور طالبٍ أن يحتمل . مواضيع التعبير التي أكتبها ، يدعوني المدرس منتشيا لقراءتها أمام الفصل في كل حصة . أطرز التقارير الشهرية بنسب ٍ كاملة . كاملة جداً . لا ينقصها درجة واحدة .الترتيب على الفصل ، الأول . الترتيب على الفصول الأخرى في المرحلة : الأول ، يصافحني المدير كل شهر ، ويمنحني شهادة تقدير ، يتغير الثاني والثالث ، وابقى حيث أنا . في الطابور الصباحي ، يبحث عني المدرس مسؤول الإذاعة إذا تأخر برنامج ذلك اليوم ، وأعتلي المنصة ، أقرأ قرآنا ، وتصمت المدرسة . في وقت الفسحة ، أقود فريق فصلي لكرة القدم ، أسجل أهدافا ، وتصفق المدرسة . دفاتري تتخاطفها أيدي الطلاب ، والمدرسين الذين يريدون استخدامها في التحضير للسنين القادمة . إذا أخطأ طالب في الفصل يبدأ المدرس في محاضرة عن الأخلاق والأدب ، ويوضح أن الأخلاق أهم من الدراسة ، والأدب أهم من العلم ، وأن اجتماعهما غايةٌ صعبة ، لكنها يمكن أن تتحقق . ويستخدمني دليلا . لم أحتج ، ولا مرة واحدة أن أذهب لأبدأ حديثا مع أحد ، كان الناس يأتون إلي ، خرجت من المدرسة وأنا لا أعرف كيف أبدأ حديثا مع شخص لا يعرفني . أقنعوني بأنني الأول في الدراسة ، والأحفظ للشعر ، والأجود في التعبير ، والأقرأ في القرآن ، والأذكى في الرياضيات ، والأجمل في الخط ، والأمهر في الكرة ، والأكمل في الأدب . كان كل شيء ، كل شيء يتآمر ليجعلني الأفضل في المدرسة ، وكانت المدرسة ، هي العالم . خرجت إلى هذا العالم ، بعقلية النسب الكاملة والأفضلية المطلقة ، كان الكامل عند الآخرين ناقصا لدي ، والرائع جيد ، والجيد مقبول ، والمقبول سيئا ، والسيء جحيماً . وفي الجانب الآخر من هذه المعادلة الغير عادلة ، وجدت أنني لم أكن الأول ولا الأحفظ ، ولا الأجود ، ولا الأقرأ ، ولا الأذكى ، ولا الأجمل ولا الأمهر ولا الأكمل . فخرجت بنوعين من الحزن ، حزن ٌ مرفه ، يفترض بالعالم نقصا ، لا يرونه فأزيد رفاهية . وحزن موجع يفترض النقص في ذاتي ، لا يرونه فأنقص حزنا . وابتدأت الخيبات تنهشني في تآمرٌ عجيب . ابتداءا بالخيبات السخيفة ، من نوع أن لا تنظر إلى عينيّ المراهقتين فتاة أنظر إليها، أو أن لا أحقق الثناء بالقدر الذي أتوقعه ، مرورا بخيبات أكبر كأن يتضايق مني أحد . لا أ دري كيف أصبح تضايق شخص مني حدثا عظيما ، لم أتعلم يوما كيف يمكن لي أن أضايق أحدا ً ، في عالمٍ يتضايق فيه الناس من أنفسهم . ولم أدرك حتى اليوم كيف يمكن لأحدٍ أن يضايقني ، ويعلم ذلك ، ويستل كل ما يملك من أسلحة ، ولا يتوقف حتى أرحل بعيدا ، إلى حيث لا يمكن للأسلحة أن تصل . تعلمت أن الناس مختلفون ، مختلفون بصورة مفجعة ، وأنه لا يمكن لك أن تتعامل مع الجميع بطريقة واحدة . تعلمت أن هناك مرضى وأصحاء ، وأن الحدود الفاصلة بينهما ليست بالوضوح الذي نتوقعه . وجاءت خيبات أكبر ، تتعلق بالعالم ، وخيبات أكبر من أي شيء تتعلق بالناس . وجاء شيطان حزني الصغير ، يحمل ورقة وقلما ، وقهوة يدعوني لأن نرتشفها سويا . كان كريما معي . وشعرت أنه لا خيبة معه ، إذ أنه هو بذاته خيبة أختارها لتقيني من الخيبات التي تلبس لباس الفرح . وشعرت بأنه ربما آخر الأصدقاء الذين يأتون هم ليتحدثون معي . وكان شيطانا لطيفا ، خليق بأن يجنبني محاولة بداية حديث مع أحد . وابتدأ شيطاني الصغير يتشكل كما يحلو له ، ولي . يعصر نفسه في فنجان قهوة أشربها وحيدا ، وأبتسم . يتمدد طوليا ليدخل في قلم، فأسكبه شعرا ، يجلس مقابلي على كنبة وثيرة ، يفلسف العالم ، ويعتذر بين كل جملتين مره ، لأنه يدرك أن الناس لا يرحبون به كثيراا ، فأهون عليه ، وأستمع ، وتنفرج أساريره ويتحدث ، يتشكل على هيئة امرأة جميلة ، أقضي معها ليلة طويلة ، لنتحدث ، كانت صحبة جميلة ، راقية ، صحبة اختيارية مرفهة. لكنه بعدأن ابتدأ بإزالة الكلفة بيننا ، أصبح يحط على كتفي كقرد ، فينظر الناس إلىّ مستغربين . ابتدأ بزيارتي بدون أن أدعوه ، والدخول دون أن يستأذن . انتبهت مرة إلى كفيه فوجدته يسد أذني حتى لا أسمع هاتفي ، بل رأيته مره يحمل مقصا و يهم بقص أسلاك الهاتف . كنت أصبر منه على ذلك ، فأنا لا أستطيع أن أضايق أحدا ساعدني حتى و لو كان شيطانا ! حتى جاء ذلك اليوم ، قضيت معه وقتا أكثر مما ينبغي لنا ،اقتربت منه أكثر مما يجب ، وفجأة ، استبد به الهياج ، فانقض على رقبتي ليخنقني . فتحت عيني على آخرها ، دفعته مذعورا ، لقد أسأت فهمي أيها الشيطان الفاسق ، أنا لا أريدك هكذا . تناولت عفريتة السعادة من شنطة سيارتي ، وهويت بها على رأسه ، لم أتركه حتى تفتت على الرصيف ، خرج من فتاته حبر أقلام ، ولحية بيضاء لحكيمٍ عجوز ، ونظارة سوداء كان يلبسنيها لأرى العالم ، ونظارة كحلية تجعلني أرى كم الابتسامات الصافية التي أتلقاها كل يوم ، معتمة ، ونظارة مصمتة ، بثقب ٍ وحيد تستثني كل الناس الطيبين ،وأرى من خلالها بضع من السفلة، ونظارة بعدسة مكبرة ، ومرآة لا ترى سوى العيوب ، ومساحيق تجميل كثيرة كان يضعها ، ونسخة طبق الأصل لقلبي ، مكسورة بأكثر من زاوية ، وورقة صفراء قديمة بأرقام معاونيه من البشر ، وأنصاف البشر ، وكيس بصل ! قاتلك الله يا شيخ ! ...
اليوم ، أستقبل الصباح الهاديء الماطر ، عائدا من مناوبتي الطويلة . متصالح جدا مع ذاتي ، لست الأفضل كما كانوا يقولون لي ، لكنني أفضل مما كنت أتوقع ، مازلت أحصل على الثناء ، ثناء بالقدر الذي يجوز أن يحصل عليه طبيب سعودي يعمل في كندا ، أتذوق حلاوة أحاديث عربية باسمة في ممرات المستشفى لها طعم التمر ، أستطيع اليوم أن أضايق أحدا بالقدر المحترم إن هو ضايقني ، أستقبل ترحيبا ، يضيق بعبارات الشكر الخجلى من زوج مريضة تابعتها ، في ممرات وول مارت . أسباب تجبّر شيطاني ، أعلمها جيدا ، ولا يعلمها أحد ، ولا يحسها أحد ، كنت أعلم جيدا أنني قد أبدو مبالغا ، لكنني الوحيد في هذا العالم ، الذي يعرف أنني لم أبالغ في شيء ، أنا فقط قررت أن أصبح أكبر من حزني ، وانا وحدي أعلم كم من الحجم أحتاج لمثل هذا . فراغات الأصدقاء ، مازال بعض منها شاغرا ، لكنني لم أعد أحتاج إلى شياطين لملئها ،العتبات مازالت عالية ، لكنني أفتح نوافذ أقل ارتفاعا ، تجعلني أنحني ولا أركع . وأقترب ولا أمس ، والأهم ، أبتسم . انتبهت إلى أنني مازلت أحصل على ابتسامات الإعجاب ، لكن ليس بالقدر الذي يحصل عليه طالب مدرسة ، ولا بالقدر الذي يحصل عليه رئيس وزراء موزمبيق في بلده . ربما بالقدر الذي يحصل عليه رئيس وزراء موزمبيق في كندا ، وربما أكثر قليلا . صديقي البليغ ، يختصر كل ثرثتي الطويلة ، ويسمي نفسه : رئيس وزراء موزمبيق : ) وبما أنه أذكى مني ،وبما أنه لم يعد من إجازته الطويلة في الرياض بعد، سأسمي نفسي نائب رئيس وزراء موزمبيق ، أو حتى رئيس وزراء موزمبيق ، وأعمل انقلابا لا يحفل به أحد هنا .. التوقيع : متعب جاد الحق ، نائب رئيس وزراء موزمبيق . أتاوا، 31 مايو، 2008 May 16 رحمك الله يا جدي
مات جدي . رحل صامتا بعد أن قتله الملل على سريره . غادر الدنيا هناك في الرياض ، وأرسل إلى كندا حزنا لا يعبأ به أحد سواي . خبر ٌ نقله لي هاتفي الصغير الذي حشرت وطني وتاريخي في داخله ، سمعته في الرابعة عصرا وأنا أقلب أحزانا لأناس لا أعرفهم على هيئة أوراق في ملفات المستشفى . صمتَ لثانيتين . قبل أن أدعو له بالرحمة ، وأقفل الخط . أذهب إلى الحمام ، لأغسل الحزن عن وجهي. ولم أفعل شيئا سوى أنني نثرت من الملح بعض ما رسّب الحزن . أعود إلى الملفات ، بقي لي مريضين لم أرهم ، أحاول أن أقرأ في ملفاتهم ، وكل كلمة تذهب إلى عقلي ، ليفسرها ، أو يفكر فيما يبني عليها ، أو حتى يراها ، تزدحم مع الصور ، والمشاعر ، والتخيلات هناك . رأيت وجه جدي ، بسرير ، وبلا سرير ، ابتسم ، وصلى واقفا ، وصلى جالسا ، رأيته بكفن ، لم أره . تزاحم كل شيء ليعصر الماء من فوهة عيني ، التي أصبحت كفوهة برتقالة مقطوعة الرأس ، تعصرها يد عابثة .تعصرها بما يكفي ليظهر الماء ولا يسيل ، وتفلتها ، وتعود لتعصرها مرة أخرى . أكملت مابقي لي ، بعينين تلمعان . مشيت ببطء . استمعت بإنصات لذلك المريض الذي لم يعجبه أكل المستشفى ، بعد أن أحضرت له ماءا لأنه لا يستطيع أن يتحدث بارتياح بفم ٍ ناشف . المريضة الأخرى ، صامتة ، حتى الموت .قالولي في الصباح أنها ستموت . مسحت على رأسها ، دون أن أعلم ، أو أحاول أن أحلل لماذا فعلت ذلك، وخرجت . ذهبت لأكتب عن أحزان لا أعرفها في الملفات . وانتهيت حينما جاءت الطبيبة السريلانكية المناوبة التي أراها لأول يوم وسألتني لماذا لا زلت هنا ؟ لا أدري لماذا قررت أن أخبرها أنني تأخرت في الخروج ، لأنني تلقيت خبرا محزنا ، بدأ صوتي يرتعش ، تشاغلت بجمع أوراقي ، وخرجت قبل أن أنهار على أول كتفٍ لا أعرفه . خرجت محدقا إلى بلاطات الطريق . يالهذه المدينة التي ليس بها كتف واحد ألجأ إليه . ذهبت إلى سيارتي ، صنعت من مقودها كتفا ً . وابتدأت أفكاري تثرثر . وتتزاحم حد الخروج من النوافذ المشرعة ، والنوافذ المغلقة . وفوهات البرتقال . بيتنا القديم وذاكرتي الضبابية لمجلس يتوسطه جدي كالجبل . فرحتي عندما أصبحت طويلا بما يكفي لأقبل رأسه . الأعياد التي لم يمر منها عيدٌ واحد دون أن أسلم عليه . ابتدأتها وأنا أتلعثم في عبارات العيد المناسبة ، وكان يسألني عن النقود التي معي والخمسة التي تطل برأسها من جيب ثوبي . والمسدس الذي أخبئه في يدي الأخرى . قبل أن أصبح يسألني لماذا لم أتزوج بعد ، ويقول لي (العيد الاخر وانت عريس ) . دلة القهوة التي علمني كيف أمسكها في مجلس الرجال ، وكم هو المقدار المناسب لصب الفنجال . . تجويدي الذي يتحدث عنه أمام ضيوفه فيشعرني بالزهو . قرآنه الكبير على مجلسه الخشبي ، الذي قربه لي كثيرا لأقرأ منه . كان يحرجني طلبه لهذا أمام الجميع . ولكنني كنت فخورا بتقديره لي ورغبته في سماع قراءتي . المرة الأجمل كانت حينما بتنا جميعا في مزرعته البعيدة . ونهضنا من النوم لصلاة الفجر ، كان الجو بديعا ، أحضر لي قرآنه ، وطلب مني أن أقرأ . وقرأت طويلا ً ولم أتوقف حتى بح صوتي ، وأغلقت القرآن لأسمع عبارات الثناء راضيا مزهوا . أقعده المرض . قبل أن يؤثر الصمت . وذهبت لأراه في آخر زيارة إلى الرياض . شعرت بأنها ستكون المرة الأخيرة . حدقت في وجهه الصامت ، ودعوت الله له . حملت ملامحك في وجهي . ورحلت . أجري مكالمات كثيرة ، أعزي فيك الآخرون وليس ثمة من يعزيني بك . ينقطع اتصالي بعمي ،يتحدث فلا أسمعه ، وأتحدث فلا يسمعني . كأرذل ما يكون الحظ . أعزي أبي ، وعماته ، وأعمامي ، وعماتي . أقطع جزءا من قلبي في كل مكالمة ، ويذبل قبل أن يصل إلى هناك . أتحدث مع آخرين لا يعلمون عن حزني شيئا ، أعصر كل برتقالات الدنيا في داخلي . يقولون أن الضربة التي لا تميتك تجعلك قويا ،وقالوا (ضربتين في الراس توجع) لكنني لم أسمع شيئا عن الضربات الثلاث .. ولا الأربع .. برتقالاتي تنشف رويدا رويدا ، لا أدري إذا كانت تعصر نفسها بنفسها ، أم أنني أنا من يعصرها . . لا يهم كثيرا ، المهم أنها تنشف ، لا اذكر انني احتجت لأن أكتب مثلما أحتاج الآن . . أحتاج لأن أقول .. غفر الله له .. له الجنه .. تغمده الله بواسع رحمته .. بعدد التعازي التي فاتتني .. بعدد ما تمنيت أن اكون حاضرا في توديعه .. بعدد الحزن الذي ملأ هاتفي .. بعدد ماعصرت .. بعدد الأكتاف التي لا أملك منها شيئا .. ربما عصرت أكثر مما ينبغي لي ، لكنني أحتاج لمثل هذا ، كي أخرج جافا، خفيفا ً ، كي أدعو له بصوت مسموع .. كي أستطيع طيّ الصفحة مرتاحا ً ، و أواصل الكتابة على دفتر الحياة . . .
بحفظ الله ياجدي .. دموع الناس في بلدي .. ينقّلها .. أسى خدٌ .. إلى خدَّ .. ويرتحل .. عزاء الناس ِ من كفّ .. إلى كفّ ِ .. وأنا المكلوم .. في البعدِ .. أراقب دمعتي .. وحدي . . ولا خدّ .. سوى خدي . . ولا كف ستحضنها .. سوى كفي . . ولا كتف . . أميل عليه في حزنٍ .. سوى كتفي . .
May 05 أشيائي المبعثرة في المستشفى![]() تمر الأيام ، أعمل معجزة صغيرة في كل يوم . أهبط حتى ألمس القاع بقدمي قبل أن أدفعه . وأصعد حتى أتنفس كما أحب بعيدا عن الغرق ، ويحملني الماء حانيا ، وكأنه لم يكن يخنقني بالأمس بعيدا عن أعين الشمس . ثقوب حزني في نافذة الوحدة ، أحاول أن أحكم إغلاقها ، فلقد دخل ما يكفي من الحشرات . قبل أن يحمل كف كبريائي مبيدا ، وألتقطها واحدة واحدة ، وأضعها في منديل ، يجد طريقة إلى سلة مهملات ، مليئة في ذاكرتي . أفتح نوافذ أخرى وجدت أنها أوسع مما كنت أتخيل، تمرر أشياءا استقبلها باسما ، وراضيا ، ممتلئا بالقناعة . أنقل خطواتي في المستشفى صباحا ، وظهرا ، وعصرا ، وليلا ، وفجرا . أمسح بيدي العربيتين على أجساد كندية بيضاء . أخزن لغتي التي رضعتها مع الحليب لكل من يحمل ملامحا تشبه الوطن ، وأستعمل اللغة التي شربتها مع البيبسي ، وفطائر ماكدونالدز لكل الأشياء الأخرى . أقهقه في الاجتماع الصباحي على (جيمي ) طالب الطب ، الذي يتحدث بلغة الشارع ، ويتفوه بأشياء لا يصح أن تقال في اجتماع محترم ، يقهقه الجميع ، يؤنبه الاستشاري على ارتياحه الزائد ، ولا يبدو أن جيمي يستوعب شيئا مما يقال . ينوي أن يتخصص في الجراحة ، لن يهم كثيرا ما يقوله لمريض تحت التخدير . نتفرق بعد الاجتماع ليهتم كل واحد بمرضاه . تمر أوقات لا أحصيها ، حتى أجد نفسي في كافيتيريا المستشفى أبحث عن أي شيء لآكله قبل أن يغلق في الساعة السابعة . يعود الوقت ، ليركض ، لأجد نفسي مرة أخرى على سرير ، في غرفة ضعيفة الإضاءة ، بملاءة بيضاء ، ومرتبة بلاستيكية ، ومخدة بلاستيكية ، لا تصلح إلا لإراحة شخص لم يتوقف عن المشي ليوم كامل . أضع رأسي على المخدة وأفكر ، متى سأتحصل على ما ابتعته بكل هذه المبالغ المرهقه؟ هل أدفع أكثر مما يجب ؟ ربما أقل مما يجب ؟العامل الذي كان يمسح أرضية المستشفى بعد أن خوت على عروشها يتعب أيضا! مالذي يصنع الفرق بين التعب الذهني والتعب الجسدي ؟ التعب الذهني أصعب ، لأنه يكوم الاشياء داخلك ، بينما التعب الجسدي يلقي بها إلى الخارج ! .. لحظة ! الآن من المفروض أن أرتاح ذهنيا وليس العكس ! . . أين من الممكن أن أجد قهوة في مثل هذه الساعة ؟(قهوة ايش !) يفترض بي أن أحاول أن أنام ..الآن النوم لا يحتاج لأية محاولات ، ربما النهوض منه يحتاج لبعضها . لن أنام ، بقي ثلاث ساعات على اجتماع الصباح ، لا لا .. يجب أن انام حتى أستطيع إكمال اليوم بشكل شبه معقول . . حسنا سوف أنام ... يفض البيجر غشاء الصمت ، ترك لي لحظات أداعب النوم ، تكفي لأعلم كم أحتاجه ، وكم أشتاقه ، أتركه على السرير البلاستيكي ، أغسل وجهي ، أرتب الشيب الجديد في شعري مع الشيب القديم بعد أن لاحظت أنه يجلس بعيدا كطالب مدرسة في يومه الأول ، أرتدي معطفي المجعد ، أرتب أجهزة النداء ، والهاتف ، والكمبيوتر الكفي بين الفتحات والجيوب ، وأخرج إلى الممر . أصنع بأقدامي صوت موسيقى كنت أسمعها صغيرا في مسلسل كرتونيّ ، ترت ترت .. ترت ترت ... ترات تريت ..ترات تريت .. ليس ثمة صوت يعكر تلك الموسيقى ، حتى أصل إلى الإسعاف ، ويتداخل الصوت مع أصوات الأنات ، وبعض الصراخ ، وثرثرة من يحاولون التعامل مع تلك الأنات ، وذلك الصراخ . أبحث عن اسم المريض المنشود ، أجده مكتوبا على السبورة البيضاء ، أتوجه إلى الغرفة وأستلم الملف ، تاريخ الولادة ، يصلح لكتب التاريخ ، في التاريخ ذاته كان هناك شابا في العشرينات من عمره ، يدعى عبدالعزيز بن عبدالرحمن ، يحارب على صهوة جواده ليصنع لي شيئا أدعوه اليوم وطنا وأشتاق إليه ، من كان يدري في لحظة الولادة ذاتها ، ماذا كان يفعل ذلك الشاب ، ربما كان يخطط لضم الحجاز إلى نجد ، ربما كان يمسح بطن امرأته الحامل بالملك فهد ، أو عبدالله . ربما يضع بشته على المشجاب ويستعد لإيصال حيامنه إلى حيث يمكن أن تصبح ملوكا . أقدّر أن مريضي كان مراهقا حينما أُعلنَ عن توحيد المملكة العربية السعودية وتسميتها في 1932 . هل سمع بذلك ؟ هل تخيل في أكثر خيالاته انفلاتا أنه سيجلس على سرير ، في مستشفى ما في كندا ، ويأتي طبيب من هذا المكان ليعاينه ؟ . أذهب إلى السرير أتحدث مع الكائن التاريخي ، أسحب الستارة خلفي ، وأسلم عليه ،ثم أبدؤه بترجمتي الخائنة لـ (عسى ماشر؟ ) ، لا يسمعني ، يقول : لا أستطيع أن أسمعك ؟ عمري 94 عاما ، هل تعلم ذلك ؟ .. يخرج صوتا يشبه الصراخ من فمي المبتسم :"بالطبع أعلم ذلك ، آسف، سأحاول أن أرفع صوتي ، وحاول أن تسمعني ." وأفكر ... لا تبتئس يا صديقي العجوز . لست أول شخص لا يسمع شخصا يحاول أن يساعده . أعود إلى الممر ، أجر أقدامي المنهكة ، أنتظر المصعد ، أغلق أجفاني واقفا ليمر تيار النوم لثانية ، قبل أن يدرك أنني واقف ويحدجني بنظرة قاسية ، حيث لا يفترض بأحد أن يغلق عينيه إلا حينما يكون جاهزا حيث يمكن للنوم أن يؤدي وظيفته كامله . أسمع رنة المصعد ، أستقله ، وأذهب إلى غرفتي . أفرغ حمولة المعطف ، أرتب أجهزة النداء إلى حيث يمكن أن أراها في الظلام على طاولة السرير ، وبجانبها هاتفي الذي أستطيع استعماله كمصباح صغير . يؤلمني بطني ، أتذكر أمي ، وماكان يمكن أن تصنعه من ميرمية في مثل هذه اللحظة ، أحدق إلى السقف ، أشعر بالجوع ، وليس ثمة وجبات تخرج من قدور دافئة في الأفق ، أشعر بالبرد ، ولا يمكن لشيء أن يرمز لاحتياجي مثل تشبثي بالملاءة الرقيقة ، والسرير البلاستيكي تحتها ، دون أن يفعلا شيئا . أشعر بكل شيء . بكل شيء . يتسلل كل شيء من زجاجة الصمت الكبيرة إلى زجاجة صمتٍ صغيرة أستطيع أن أنام داخلها . . . أقفل أجفاني ، ببطء . لأحتويني . وأنام . . وقبل أن تعانق آخر شعرة في رمش عيني اليسرى الأعلى ، آخر شعرة في رمش عيني اليسرى الأسفل .. يكسر جهاز النداء زجاجة الصمت.. أترك النوم ، مع أشيائي المبعثرة ، البرد ، والميرمية ، وشظايا الزجاج على السرير . . أرتدي المعطف ، أرتب الأشياء في الجيوب . . أقرب طالب المدرسة الجديد لأصدقاءه الجدد . . أخرج ، وأستمع جيدا . . ترت ترت .. ترت ترت ... ترات تريت ..ترات تريت ..
أتاوا -إبريل -2008
Thanks for visiting! |
| |||||||||||