.Met3eb's profileMy Journey ... سبورة على...PhotosBlogListsMore ![]() | Help |
My Journey ... سبورة على جدار الغربــةFebruary 21 أحن إلى خبز أمي![]() هرمت.. فردي نجوم الطفولة
حتى أشارك صغار العصافير
درب الرجوع لعش انتظارك
..
محمود درويش
February 19 قـطرة تتكور على نفسها![]() الأمس القاتم ، الملطخ بالوحدة ، وضعت آثارها في كيس أسود ، حملته سيارة الصباح شرقا ، وتوجهت غربا إلى المستشفى .
رجل الأمن العجوز ، يسألني عن يومي ، وقبل أن أجيبه يقول : أتعرف ، كل يوم هو يومٌ جميل ! جملة سطحية ، ربما تتزحلق على قشرة المخ وتسقط ، لكنه عرف – لسببٍ أجهله- كيف يحشرها بين التعاريج ، فتعصر قليلا من السيروتونين والدوبامين ، تحرك عضلات وجهي بابتسامة ، لا تختفي حتى تبدأ جملته المحشورة بالذوبان ، رويدا رويدا ، وتتحرر عضلات وجهي تدريجيا مع عودة ذلك الجزء من المخ كخد يلتصق بالزجاج يسحبه أحدهم بحركة بطيئة . نعم ، كل يوم ، هو يومٌ جميل . أذهب إلى دكان صغير في طريق عودتي ، أرى عجوزا آخر ، تصحبه ثمانون سنة عاشها ، تقف بجانبه ولا تحط على كتفيه ، يوقع أوراق اليانصيب ! أتمنى أن أعرف ماذا سيفعل بالملايين لو فاز بها ، أفكر ، كيف يستطيع أن يبتسم ويبدو مرحا ، إذا كان خلال ثمانين سنة كاملة، لم يحقق ما يريد ! التفسير الوحيد ، هو أن يكون قد حقق مايريد ، ولكنه يملك نفسا لا ينقطع ، ورقبة لا يستطيع بها الالتفات إلى الخلف ، وأقداما لا تعرف كيف تتوقف عن الجري ، حتى لو كان ذلك الجري ، لعبة احتمالات يراقبها من فوق كنبته في دار للعجزة . أعود إلى الشقة ، أفكر في الآخرين !آه .. الآخرون . الغرباء ، والأشقياء ، والتعساء ، والكاذبون ، والأوفياء ، الصادقون ، والأغبياء ، المحتالون ، والأذكياء ، المجانين ، والعقلاء ، الموسوسون ، والصامتون ، والحكماء . الغريبون ، واللطفاء . الفرحون والتعساء ، الممتعون ، والمنفرون ، الرائعون ، والذين تشفق عليهم وتحزن من أجلهم ، والذين يجعلونك تشفق على نفسك . الحزانى بلا سبب ، والراضون رغم كل شيء . خليط متشابك ، كمستنقع عظيم ، سميـــــــــك ، ولزج ، ومتموج . تنظر إليه، كأنك قطرة تتكور على نفسها في حافته ، تدرك جيدا أن به ماءا نقيا ، وذهبا مصهورا ، ونفطا قد يلوثك قليلا لكنه سينفعك في آخر المطاف ، ونفطا خاما سيسدد لك فاتورة تعبك مضاعفه لو نقيته واعتنيت به . وطينا لا ينفع في شيء . أرى نفسي قطرة ماء تتكور على نفسها على حافة الخليط العظيم ، ويتصرف كموج تحركه رياح لا أراها ، من الممكن أن يبقى بعيدا دون أن نتلامس ، يقترب ، ويغير رأيه قبل أن يصل فيعود أدراجه ، ومن الممكن أن يلمسني ، ومن الممكن أن يغمرني تماما ! يغمرني ، وأحاول الهرب ، كسلحفاة فاجأها موج بارد ، أرهق كل أطرافي في محاولاتٍ لدفع الكرة التي أتمدد داخلها ، وأبذل من الجهد ما يجعلني أعتقد أنني وصلت إلى مستنقعٍ آخر –إن كان هناك مستنقع آخر – لأكتشف أنني لم أتحرك سوى قيد أنمله ، أتمدد داخلها من جديد ، وأدفع سطحها الداخلي المليء بطبعات كفوفي وأقدامي المشدودة ، فقط لأبقى في مكاني . لا أعلم مالذي يحركه نحوي في الزاوية التي أتموضع بها ، ربما كانت قطعة ذهب منسية ، قوية بما يكفي لتحرك الأشياء في اتجاهي ، تبحث عن ماء يزيل عنها السواد فتلمع من جديد ،أو طين يريد أن يتخفف من ترابه . أو قطرة ماء ، كانت تقف مثلي على الحافة يوما ، وتريد أن تعود لتتحد بقطرة تظنها نقية . وربما أقدار ريح ، تتصادف مع أقدار موضعي ، والجزء الذي يليني من ذلك الخليط . أفكر في أن أبدأ رحلة ملحمية أفقية على الأطراف ، لأبحث عن قطرات أخرى ،لكنني لا أستطيع أن أرى جيدا من خلال الماء ، في محيط نظري (المائي ) لا أرى أي قطرة تقف ، والتحرك البطـيء الأفقي سيستهلكني ، كمغامرة لا أعلم شيئا عن نتائجها . حتى إنني لا أعلم شيئا عن فيزياء الزمان والمكان والمادة هنا ! زمانياً ربما كان هذا هو الوقت الذي استهلكته كل عناصر الخليط الذي أرى في تقرير أين تقع ، وربما كان الوقت الذي سأقضيه لأدور دورة بسيطة على الأطراف أقل من الوقت الذي أقضيه متكورا . ومن الناحية المكانية ، ربما المكان أصغر بكثير مما أعتقد ، وربما كانت هناك تجمعات مائية أخرى ، لكنني لا أعرف كيف ألتفت داخل قطرة بأطراف مشدودة ، وموضعي على الزاوية وتحديقي بها ، يشبه نملة تحدق في فتحة ترابية في غابةٍ نيجيرية ، بالنسبة إلى الكوكب . أما من ناحية فيزياء المادة ، ربما كنت أصلا داخل الخليط –وهذا احتمال وارد جدا – لكنني أملك خصائص فيزيائية تفصلني عن البقية ، كما يملك البقية خصائص تفصلهم عني ، والسواد الذي يتسرطن على سطح كرتي بألوان قزحية وأهرب منه ما هو إلا طريقة للتمازج والتحول البطيء والنمو . أمي ،ببساطة ، تقول أنها تعرف كيف تقتنص المناطق الأنقى من الخليط ، تقول أنها ستغرف لي منه ، وتسكبه عليّ . تردد دائما أن الحياة بلا قطرات نقية . لا ريب أن ثمة قانونٍ كوني ، يجعل قطرة حبر أسود تصبغ كأسا من الماء النقي . وكيسا من القمامة تطغى رائحته على حقل من الأزهار ولو كان في آخر أطرافه . ربما كل ما يلزمني أن أغلق أنفي قليلا ، وألتقط الأزهار وأرحل بها إلى مكان ٍ آخر ، ولكنني أفكر أكثر من اللازم ! ربما يلزمني أن أغسل السواد مباشرة ، وأتحرك في اتجاه آخر بدلا من أن أسترضيه وأطلب منه أن يبعد لزوجته والتصاقه عني إذا سمح ، وأخبره كم هو العالم مليء بسوادٍ آخر سيفرح به . أن أتوقف عن الشفقة عليه دون أن أعرفه ، والتفكير في وجهة نظره من الأشياء .وإمكانية وجاهة فكرة التخفف بالماء . ربما فقط يلزمني ، أن آخذ نفسا عميقا ، وأتوقف عن الخوف من السواد الذي يعلق ، وغرابة الريح ، ووقاحة الطين ، وأذهب للخوض في الخليط كفلاحٍ يلبس حذاءا جلديا بعنق طويلة ،يهرس الأشياء في طريقه ، يلتقط ثماره ، ويرحل ، وينسى كل شيء بعد أن يغتسل ، ويقضم الثمار الطازجة على ظهر كنبة بيضاء !
Ottawa , Feb 2009 January 24 الكتابة . . .
الكتابة ، السيدة الوحيدة في العالم التي أستطيع أن أهجرها وأعود إليها ، فأجدها كما كانت . أدرك أنها تعطي مفاتيح مدينتها الدافئة لأناس كثر ، لكنها لا تخجل من أن تفعل ذلك في ضوء النهار . لا تكذب بشأن ذلك .لا تتخبأ تحت الأغطية المريبة ، لا تتستر بالظلام ، لا تكتم ضحكاتٍ ماجنة خلف أبواب بريئة ، ولا تفوح منها رائحة الخطيئة .
غرقت في البحر ذاته الذي لم أتعلم بعد كيف أعوم فوقه ، لكنني لم أشأ أن أقول شيئا بأنفٍ متحشرج . أستلقي الآن فوق خشبة لم يجلبها الموج صدفة ، ولا كرما . أظن أن أفضل ما يمكن أن أفعله الآن من فوق هذه الخشبة ، أن أرحل ببصري بعيدا ، شربت من ماء البحر المالح ما يكفي ليخالط أنفاسي ، ويصطدم بأنوفكم ، لا حاجة لي بأن أتقيّأه أمام أحد . أتصور أنني لو تحدثت عن قطعة ثلج نسيها الهواء الدافي الذي مر بعدها في زاوية الرصيف لذابت في مكانها دون أن أدري . طائرة الذهاب ، وأحلامي المرتبة داخل علبة شوكولاته لم يتناولها أحد ، والساعة التي قضيتها هناك ، دموع أمي ، ضحكاتها ، والطفل الذي يحمل تاريخ ميلاد يصلح لسيارة فارهة ، صديقي الكهل الذي يتعذب ويعذب ، أصدقائي الصغار الذين يكبرون في الاتجاه الخاطيء ، عشي الذي أردت أن أعيد ترتيبه ، وابتدأت أشعر بأن أعواد القش أثقل وأندر مما كانت عليه ، مدخراتي التي تتبخر أمام عيني ، الأحداث التي ترسل الناس إلى المستشفيات والسجون والشوارع وأرسلها إلى زاوية ممتلئة بالأشياء المكدسة في زاوية قلبي اليمنى. أضغطها جيدا ، وأحشرها حتى تختلط باللحم وتبعد عن الدم . أحشر بين كل عاطفتين مؤلمتين عاطفة جميلة ، ولا شيء أصعب من محاولة إخراج العاطفة الجميلة بعدما تتعفن بيد عمرو لا بيدي . بعد أن أدركت أن يد عمرو باغية ومتقلبة وتفعل مايحلو لها ، ابتدأت بتجنب وضع عواطف جميلة ، حتى لا آتي بعد زمن لإخراجها، وأنكث كل الأشياء المضغوطة فتتمدد ، وأرهق إبهام عقلي في محاولاتٍ لحشرها مرة أخرى في الزاوية . أي سخف يجب أن يستوطن عقلي ، قبل أن أحاول أن أعصر كل هذا في كأس واحد من الحروف . أفكر أن أكتب شيئا كرسائل جوته التي ضمنها روايته (آلام الشاب فيرتر) . أو كسقف كفاية علوان . كم أحتاج من الزمن والجهد والألم ، لأقطر نفسي في قارورة كتاب . لأتحدث عن كل الأشياء الصغيرة ، التي أراها جيدا ، التي تضيع في زحمة الناس ، والمدن ، والسيارات . كم أحتاج لأدوزن كل النغمات الخافتة ، التي يغطيها الصخب ، كم مقصا أحتاج لأطفيء كل المصابيح الكهربائية ، وأصف رصيفا باهتا ً يجالس الليل . كم قلبا أحتاج لأتحدث عن ذلك الذي لم يعد صالحا للكتابة ، أي حبال ، ومواد لاصقة ، وخفة (عقل) تجعلني أبدو ساحرا ، سأحتاج أن أستخدم ، لأربط صوت محمد عبده ، بالبرد ، بشوقي لأمي ، بالطائرات التي تذهب بي وتعود ، بالأرصفة ، والشوارع ، والأوجه الغريبة ، والأوجه المألوفة ، بالمرضى ، وسيرهم الذاتية ، التي أحاول أن أغير فيها دون موافقة صريحة من طرفهم ، والمشردين ، وابتسامات باعة القهوة ، وهدوء أمينة المكتبة ، بالليالي الطويلة على سريري ، والليالي الراكضة في المستشفى ، والليالي الناضحة بالصداع والبرد ، والليالي الضاحكة ، بالصباحات الهادئة ، والطرق المنسابة ، بالنهر الهادي ء ، وذاك القارب الصغير ، بشعور الفرح ، وشعور الوحدة ، وشعور النشوة ، وشعور اللاشيء. كيف أربط أشعار ناجي ، وغزليات ابن زيدون ، وبلد رسول حمزاتوف ، و(مسوخ ) كافكا ، بتعليقات قراء الجرائد السعودية ، والمقالات التي تنخر في مزاجي ، وسخافة (بنات الرياض) التي أشعرتني بشعور رجل أمريكي حدثته عن مشاهدة برنامج (جيري سبرنقر)عن طريق (أوربت) السعودية وكيف أنه يتعرض لدواخل المجتمع الأمريكي ، ورأيته يلوي فمه ، ولم أفهم حينها شعوره . ظننت أنه يخجل من تعريته بهذا الشكل ، وتعلمت فيما بعد كم هي الانتقائية فعل خائن جدا ، يلوي عنق كل شيء. كيف لي أن أربط هذا بمكالمة تعكر مزاجي في الرابعة صباحا . وكيف ألمح بذكاء إلى علاقة سهري في المستشفى، وقضاء ساعات أربع مع مريض وعائلته ، أهون عليهم ، وأستمع لهم ، وأحاول أن أساعدهم ، بتلك الخائنة التي تعهرت فجأة . ! كيف لي أن أربط أغنية غوار ، التي أدندن بها في مساء سعيد ، (شو حبيتي بنص نصيص هالبورزان ) ، بتلك التي أحبت نص نصيص ، كيف أصف الثانية التي أغمض فيها عيني وأنا أكتب التاريخ على روشتة الدواء وأتذكر ، هذا التاريخ الذي كان سعيدا لسنين ، وأصبح عاديا جدا ، أتذكره فقط بعد أن أنتهي من كتابة ، ويثير في ّ كآبة خفيفة ويرحل !أبتسم لنفسي ، ولا يسألني أحد لماذا أبتسم ! كيف أجد علاقة بين زحمة شوارع الرياض ، ووجوهها الغاضبة ، بتقاطيع وجه غاضب في غرفة الإسعاف أمر من خلاله إلى الرياض مرة أخرى . كيف أجمع بين السعوديين الذين لا يفكرون باحترام الآخرين ، وعجوز يبقي لي الباب مفتوحا بعكازه في جملة واحدة . كيف أجلس على مقعد أرى من خلاله عالمان ، وانتقل بينهما برشاقةجنّي . ، كيف لي أن أجمع الأحداث كلها ، ابتداءا بسحب طرف كم كنزتي لأقوم بتدفئة أصابعي ، مرورا بحادث سيارة سائقنا الذي ذهب بالسيارة للتشليح ، وارتعاش صوت أمي ، انتهاءا بعناق ٍ باكِ ، وأخرج العوامل المشتركة ، فيما بينها وابدأ بالحديث عن الأشياء التي تملك أربعة أشياء مشتركة فيما بينها فما أكثر ، وأخلطها في أنبوبة حبر ، تكتب فصلا ً ، وتتوقف . ثم أقوم بعمليات حسابية معقدة ، تعطي الأشياء أرقاما بناءا على أهميتها ، ومن ثم تعطيها رقما آخر بناءا على علاقتها بالأشياء الأخرى وعدد العوامل المشتركة ، ورقما هو ناتج مربع حجم الدم الذي تضخه في عروقي مقسوما على حجم الدم الكلّي .واجمع الأرقام لكل (شيء) ، وابدأ بالأشياء الأكبر فالأصغر . يؤرقني الكلام الذي لم أقله ، أنماط التفكير التي أتفرج عليها وأود أن أعلّق ، وليس ثمة آذان ، الأغلاط المنطقية الفاضحة في الجرائد ، الفئران التي تدور في علب زجاجية ، ولا أدري بأي لغة أحدثها لأخبرها عن أبوابٍ لا تراها ، أفكر فيما اذا كان هناك فأر مغتر بنفسه بينها يفكر في شرح الشيء نفسه للقش الأصفر تحته . هل أنا أهم أم أتفه مما أظن ؟ لا أحد يخبرني . لا أحد . كيف أنسج كل هذا في سجادة واحدة أجلس عليها ، أو في معطفٍ أتلحفه ، أو رقعة فنية أعلقها ، أو جورب ألبسه في قدمي ، أو هل يجدر بي أن أكومها ككرة من الخيوط وألقي بها في الزاوية ، أو هل من الأفضل أن ألقي بها في سلة المهملات ، أو ربما من الأهون أن أترك الخيوط تتناثر في كل مكان ، الملقاة وحدها كخيوط مبعثرة ، والناتئة ، لا سيما تلك الناتئة المتصلة بأشياء أخرى ، ليس من الحكمة جذبها ، ومحاولة وضعها في نسيج آخر . ربما . يجوز .محتمل . لن أعرف إلا عندما أتلحف المعطف ، وأستلقي على السجادة ،أو يدغدغني الجورب ، أو أتأمل الرقعة .وحينها ستكون أي محاولة لإلقاءها في سلة المهملات متأخرة جدا وعبثية جدا . ومضيعة للوقت . والدم . والأرقام . والتفكير . والحبر . واستثمارا سيئا لآذان لن تبقى طويلا . وخيوط كان بإمكانها أن تنسج نسيـجا خالدا .
أتاوا - ديسمبر -2008 September 08 رمضان الكندي مرة أخرى ، وكرة الصوف![]() عاد رمضان الكندي . كانت أول مرة أقابله فيها منذ عام ، كنا نحترم بعضنا كثيرا ، أجلـلته ، وغمرتني سكينة لا أظن أنني كنت أتصنعها . واحترمني بدوره ، كان يربت على كتفي حينما أفطر وحيدا ، ويرسل لي صوت أمي يسألني عما صنعت من فطور ، وكيف هو الصيام هنا . إلا أنه في هذا العام ، على أنني ما رأيته منذ سنة ، جاء كصديق قديم ، يصفعني على قفاي ويضحك . يرونه أهلي في الرياض من بعــــيد ، أنا وهو ، نقطتين متعانقتين ،ومعرفة سابقة ، ولا يسألني أحد عن التفاصيل . كم استثقلت حضوره في بداية عودته . وقته أطول . عمله أكثر . وروحانيته أقل . صداعه يمتد من الثامنة صباحا وحتى السادسة مساءا . قبل أن أنام وأصحى على صوت المنبه الذي يؤذن بطريقته الخاصة . في اليوم الأول ، عزمت نفسي على سفرة أرضية ، صنعت قهوة عربية ، ووضعت حبات من التمر قبل أن أكتشف أن صلاحيته انتهت ، وإبريق شاي ، خبز ٌ دافيء ، وزيت زيتون ، ولبنة . وعادت الروحانية بجيوشها ، بحثت عن مصحفي الصغير . كرهت تفكيري الطفولي ، جالست رمضان الكندي على السفرة ، وأعتذرت عن سخافتي ، واستثقالي لحضوره ، توقف عن الضحك ، لم يتوقف عن صفعي في الأيام التالية ، لكنني كنت أحتسب الصفعات ، وأبتسم . كل يوم ، له خريطة خاصة به ، قبل أن يؤذن المغرب ، وأصل إلى الكنز . ثم أتضاءل أمام نفسي حينما أفتح الصندوق . أعزم أن أكون أكثر صبرا ، ويزيد صبري في كل يوم ، إلا أن الخريطة تتغير في كل يوم بدورها . قررت أن أطلب من رمضان أن يعلمني الصبر ، وتقدير نعم الله علي ، في اليوم التالي ذهبت إلى المستشفى في الثامنة صباحا ، قبل أن أغادر بعد أن انتهى الدوام إلى البيت منتظرا (بياجر) المستشفى الآخر ، أولها جاء في السادسة ، ذهبت إلى هناك ، وأفطرت على قهوة ، على مرمى من عين المريض الذي جئت لأراه . لم أغادر إلا في الواحدة والنصف صباحا ، لم أجد أحدا يستقبل جياع الليل سوى ماكدونالدز ، أخذت مكاني واقفا بين الكثير من المراهقين الصاخبين ، والصاخبات بعد أن شربوا كل مافي علب الليل قبل أن تغلق ، وتلفظهم إلى الشارع . شعرت وكأني حصان على شجرة قرود . ابتسمت للفكرة ، وظنت قردة سوداء أنني أبتسم لها ، تأكدت من فكرتي ، لو لم أكن حصانا لما لاحظتني بين هذا الكم من القردة . أكلت صامتا كطفل يقضم رغيفه في الزاوية . أتحسس (بيجري) ، وأحملق في اللوحة على الجدار ، وكأنني أنفذ إلى ما خلفها . أفكر في العودة إلى البيت ، أخبرتني الممرضة قبل أن أغادر أن ثمة مريضة يمكن أن يحولهاطبيب الإسعاف إلينا ، لكنها لا تعلم متى ستكون جاهزة . قررت أن أذهب إلى البيت ، ربما أتسحر بطريقة أفضل ، ربما لا يحتاج الطبيب لتحويلها . في الدقيقة الثالثة من دخولي إلى الشقة ، زعق البيجر كديك ٍ لم يدربه أحد على الزعيق فقط في أوقات الزعيق ، المريضة تنتظر ، خرجت إلى هناك . قرأت في ملف المريضة ، قابلتها مع صديقها ، قابلتها بعد ذلك لوحدها ، وخرجت لأكلم صديقها ، بكى من أجلها ، ربت على كتفه مطمئنا ، أدخلتها إلى المستشفى ، وخرجت منه ، فاتني السحور . لكنني شعرت وكأنني وجدت كنزا دون خريطة . خرجت مبتسما ، ابتسامة من وافق رمضان الكندي على أن يعلمه الصبر . توقفت عن النظر إلى الخرائط كل صباح . وأصبحت أفطر دون أن أخرج صناديقا من الحفر . ذهب الجوع ، والعطش ، وتضاءل صداع القهوة ، والهواء الكثيف . وبقى شوق يتكور في حلقي مع كل فكرة أمضغها ، وأحاول بلعها فتتجمع ككرة من الصوف ، يعلق بها وجه أمي ، رائحة قهوتها ، ركبة أخي الذي يجلس بجانبي ، ابنه الذي لم أره بعد ، ابتسامات أخواتي ، كنبة الزاوية في الصالة ، صوت صلاة الحرم .ثوبي الأبيض . أشعر وكأن كرة الصوف هذه ، مضمارا طويــلا أركض عليه كجسم ضئيل ، لا يراني أحد بعينه المجردة ، أركض ، وأركض ، وأقابل غابات من الشعر الذي لا يراه أحد كما أراه ، وأقابل الأشياء العالقة ،أتقيها بكفي ، أشم روائحها ، فلا يمكنني أكثر من ألتفت ، أحس بنغزات سريعة في قلبي ، ونغزات أبطأ ، على حسب سرعة الركض ، وكثافة الشعر ، أشعر بأنه بمجرد وصولي للرياض ، سأتوقف ، وأستلقي على الخيط ، الذي سيتكور سريعا فوقي وتحتي ويصبح كل شيء ككرة صوفٍ صغيرة ، أجلس داخلها ، وأتناول كل شيء بيديّ بعد أن تكوّر ، بلاحاجةٍ للركض ،وأملؤ الكرة/الخيط بروائح أخرى ، وأفكار ٍ أخرى ومشاعر أخرى ، قبل أن أمتطي ظهر طيارة العودة إلى هنا ، وأثبت طرف الخيط في الرياض ، وأمسك كرة الصوف التي تتفرع منه ، وأسحبه معي إلى كندا ، وتتمدد فوقه الروائح ، والأفكار ، والمشاعر ، الجديدة والقديمة . ربما يلزمني أن أبحث عن جسم ضئيل آخر ، بخيط يشبه خيطي ، ونلصق الخيطين بجانب بعضهما ، باتجاهٍ واحد ، نمشي سوية في الطرق السالكة ، وننتقل من خيط إلى خيط كلما واجهنا غابة من الشعر في أحد الخيطين . فنصل سريعا ، دون نغزات ، لكن مشكلة الأجسام الضئيلة الأخرى ، أنها لا تخبر بكمية الشعر الموجود على خيوطها ، ويستحيل أن تراه بعينك المجردة قبل أن تقترب . فلا حيلة لي في رؤيته إلا بعد أن لصق الخيطين . وعندها قد تكون غابات الشعر ، هناك ، أكثر كثافة من غابات الشعر على خيطي ، بل ربما تكون كثيفة لدرجة اعتراض خيطي في مواقعه السالكة . وخيطي ، ربما يتفسخ منتجا مزيدا من الشعر حينما يمشي فوقه جسمين ضئيلين طوال الوقت . أتخيل أيضاً ، أن ثمة أجسام ضئيلة تائهة في ملكوت الله لا خيوط لها تبحث فقط عن خيوط تتشبث بها ، وأخرى بخيوط بلاستيكية باردة لا تتكور ككرات الصوف الدافئة ، و"شعرها" له نهايات جارحة عندما يتفسخ ، ليس كالزغب في الخيوط الصوفية . وأملك ما يكفي من الإنصاف لأتخيل أيضا ، أن أجساما ضئيلة أخرى ، تتزحلق على خيوطٍ حريرية لا تتفسخ ، ربما سأسعد بالتزحلق فوقها ، لكن لا أدري كيف سيشعر الجسم الضئيل الآخر حينما أحتاج لدفء غابة كثيفة في خيطي الصوفي أريد أن نزورها سوية ، أو حينما أتكور داخل كرة الصوف ، أو حينما أحتاج للمرور من خلال نقطة عبور في غابة كثيفة لا بد لي من اختراقها . الأجسام الضئيلة الأخرى ابتسمت لي كثيرا . تحاول أن تتشبث بخيطي في مواقعه السالكة . لكنني أخاف من أن لصق أي خيطٍ آخر ، قبل أن أكوّر خيطي ، ونسحبهما سويا . قدري أن أحمل كرتي الصوفية ، وأبحث عن كرة أخرى أتشبث أنا بها . وأحاول أن أحكم على تفاصيل الخيط من خلال شكل الكرة . وأسحب الخيطين من الرياض إلى كندا ، دون أن يتمزق شيء . حتى ذلك الحين ، سألاعب خيطي ، وأتزحلق فوقه كبهلوانٍ ضئيل . أركض فوقه . أكوره وأفرده ، وأتسلق غاباته ، أتجاوز أكثرها تشابكا وأخرج لاهثا ،متعرقا ، متقطع الأنفاس ، وألتفت في كل الاتجاهات، دون أن يصفق لي أحد ! ودون حتى أن يراني أحد !
متعب أتاوا - سبتمبر -2008 Thanks for visiting!
|
|
||||||||||||
|
|